محمد عبدالخالق

متداول ومحلل فنى واقتصادى محترف بالبورصة الدوليه لتداول العملات منذ عام 2004 , حاصل على ماجستير ادارة الاعمال من الجامعة الامريكية بالقاهرة. عمل كاتب ومحلل فنى لدى العديد من شركات الفوركس العالمية , يكتب تحليلات اقتصادية وفنية يومية للعديد من المواقع العربية والانجليزية المتخصصة فى تداول العملات والسلع والخيارات الثنائية.

تعيش معظم الأسواق العالمية حالة من الترقب وسط موجة من التوقعات تشير إلى اتجاه الفيدرالي نحو رفع أسعار الفائدة الأساسية، وفي هذا الإطار دعونا نلقي نظرة على أشد العلاقات تقلباً في السوق والتي لا تقل إثارة عما نشاهده في الأفلام الدرامية، ألا وهي العلاقة بين الذهب والدولار الأمريكي.

يعلم الجميع، حتى المتداولين حديثي العهد بالأسواق، أن هناك نوع من النفور بين هذين العنصرين، حيث تطغى على العلاقة بينهما صبغة الصد والرد، بيد أن كافة علاقات الحب الخالدة يسودها التعقيد.

بادئ ذي بدء، تتشارك العملة الخضراء والذهب في خصال خاصة منذ أمد بعيد-وهو أمر قلما نلحظه في الأصول المالية-من بينها أن كليهما ينتميان إلى فئة الأصول الآمنة الحصرية، ويعتبر هذين الصديقين العدوين في آن واحد من الخيارات التي غالباً ما يلجأ إليها المتداولون عندما تسود الاضطرابات المالية إضافة غلى الين الياباني والفرنك السويسري.

ومع ذلك فإن التعقيدات تطفو على السطح لأن هناك علاقة متضادة بشكل واضح ما بين عملة الدولار الأمريكي والمعادن الثمينة، إذ عندما يرتفع الدولار الأمريكي تهبط المعادن الثمينة والعكس صحيح. ويمكن تلخيص هذه العلاقة بالمساواة الآتية:

ارتفاع سعر الدولار الأمريكي = انخفاض سعر الذهب

انخفاض سعر الدولار الأمريكي = ارتفاع سعر الذهب

ولكن، وبالرغم من هذه المساواة التي تتكرر في أي وقت، فإن الذهب والدولار قد يسيران في اتجاه واحد! ولفهم ذلك لابد لنا في المقام الأول من العودة إلى الخلف في الزمن وفهم الأسباب التي مهدت لهذه العلاقة الوثيقة بين هذين الصديقين القديمين.

تشير الوقائع والإحصاءات إلى أن هذه العلاقة انطلقت في تاريخ مصيري جاء بتغييرات جذرية على الاقتصاد ككل، وهو 22 يوليو 1944، حيث شهد هذا التاريخ توقيع “اتفاقية بريتون وودز” والتي أفضت إلى ربط العملات بسعر الذهب مع الأخذ في عين الاعتبار الاحتياطي العالمي من الدولار الأمريكي، الأمر الذي يعني ارتباط الدولار بسعر الذهب. لقد طرحت هذه الاتفاقية نظاماً عالمياً مهماً بالنسبة لأسعار صرف العملات، ومن هنا انطلقت العلاقة بين هذين الضدين.

وقد ظلت هذه العلاقة السعيدة قائمة حتى عام 1971 عندما حصل الطلاق البائن نظراً للمخاوف والاضطرابات التي أدت إلى تصاعد قيمة الدولار الأمريكي، وفي ذلك الحين دعا الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى تعليق مؤقت لتحويلات الدولار الأمريكي، وبالتالي باتت أسعار الذهب ضعيفة في مقابل القيمة الخارجية للدولار الأمريكي، وكان هذا الأمر كافياً لقطع العلاقة الوطيدة التي دامت لقرابة 30 عاماً.

ولكن هذا الارتباط الوثيق سيبقى مستمراً في أذهان المستثمرين والمتداولين، تماماً كما هو الحال مع أي زوجين يراهما الناس كأسرة واحدة بعد انفصال، وقد أدت هذه العلاقة إلى وجود ارتباط وثيق على مستوى حركتهما، وفي عام 2008، وضع صندوق النقد الدولي تقديراً يشير إلى أن 40% إلى 50% من الحركات في أسعار الذهب تتعلق بالدولار الأمريكي منذ عام 2002.

ويمكن تحديد ملامح هذا الارتباط بسهولة في الأزمة المالية الأخيرة التي اشتعل فتيلها عام 2008، حيث تهاوت قيمة الدولار في البداية مقابل عملات أخرى كاليورو والجنيه الاسترليني، الأمر الذي دفع بالاحتياطي الفيدرالي إلى اقتطاع أسعار الفائدة واللجوء في مرات عديدة إلى تقديم تسهيلات كمية – ولكن كيف كانت ردة فعل الذهب؟ لقد سجل أعلى ارتفاع له منذ أغسطس 2011.

ومنذ ذلك الحين شهدت الفائدة على الدولار الأمريكي ارتفاعاً في معدلاتها في عام 2016، فيما استقرت أسعار الذهب – الدولار يرتفع الذهب يتراجع.

وقد غدا هذا الأمر ذا أهمية اليوم بعد أن قرر الفيدرالي رفع أسعار الفائدة مرة أخرى في 15 مارس، وفي الواقع ثمة فرصة لارتفاع جديد بنسبة 100% حسب تقرير احتمالات تغير أسعار الفائدة في العالم الصادر عن وكالة بلومبيرج.

وبالتالي بوسعنا الآن فهم الأسباب وراء تراجع الذهب بعد البداية القوية مطلع عام 2017 ووصوله أسعاره إلى قرابة 1263 دولار أمريكي للأونصة في فبراير، ولكن يصعب التنبؤ باتجاه الذهب قبل 15 مارس.

في الختام، إن التجاذب في هذه العلاقة الراسخة بين الذهب والدولار الأمريكي واضح على نحو لا يحتمل الشك، فقد مضى ما يربو عن 75 عاماً منذ عقد القران رسمياً بموجب اتفاقية بريتون وودز بين العملة الخضراء والمعدن النفيس، ولو أن هناك ميلاً نفسياً تجاه المعدن الأصفر عندما تتراجع قيمة الدولار الأمريكي، ويبدو أن العلاقة بينهما ستظل مثاراً للتكهنات على المدى البعيد وقد تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.

Was this article helpful?

0 0 0